محمد بن شاكر الكتبي

448

فوات الوفيات والذيل عليها

فرحل إلى الشام وقصد الرجل وانتسب له في عدنان فأكرمه ، وبقي عنده أياما « 1 » ، فقال لجارية عفراء : هل لك في يد تولينيها ؟ قالت : وما هي ؟ قال : هذا الخاتم تدفعينه « 2 » إلى مولاتك ، فأبت عليه ، فعرّفها وقال : اطرحي هذا الخاتم في صبوحها فإن أنكرته قولي : إن ضيفك اصطبح قبلك ، ووقع من يده ، فلما فعلت الجارية ذلك عرفت عفراء الخبر ، فقالت لزوجها : إن ضيفك ابن عمي ، فجمع بينهما وخرج وتركهما وأوقف من يسمع ما يقولانه ، فتشاكيا وتباكيا طويلا ، ثم أتته بشراب وسألته [ أن ] يشربه فقال : واللّه ما دخل جوفي حرام قط ولا ارتكبته وأنت حظي من الدنيا ، وقد ذهبت مني وذهبت منك فما أعيش بعدك ، وقد أجمل هذا الرجل الكريم وأنا مستحي منه ولا أقيم بمكانه بعد علمه بي ، وإني لأعلم اني أرحل إلى منيتي ، ثم بكى وبكت ، وجاء زوجها فأخبره الخادم بما جرى بينهما فقال لها : يا عفراء امنعي ابن عمك من الرحيل ، قالت : لا يمتنع ، فدعاه وقال : يا أخي اتّق اللّه في نفسك فقد عرفت خبرك ، وإن رحلت تلفت ، وو اللّه ما أمنعك من الاجتماع بها أبدا ، وإن شئت فارقتها ، فجزاه خيرا وقال : كان الطمع فيها آفتي ، والآن فقد صبّرت نفسي ويئست منها ، واليأس يسلي ، ولي أمور ولا بدّ من الرجوع إليها ، فإن وجدت بي قوة لذلك ، وإلا عدت إليكم وزرتكم حتى يقضي اللّه في أمري ما يشاء ، فزوّدوه وأكرموه ، وأعطته عفراء خمارا لها ، فلما سار عنها نكس بعد صلاحه وأصابه غشي وخفقان ، وكان كلما أغمي عليه ألقى عليه غلامه ذلك الخمار فيفيق ، فلقيه في الطريق ابن مكحول عرّاف اليمامة ، فجلس عنده وسأله عما به ، وهل هو خبل أم جنون ؟ فقال له عروة : ألك علم بالأوجاع ؟ قال : نعم ، فأنشأ عروة يقول « 3 » : أقول لعراف اليمامة داوني * فإنك إن داويتني لطبيب

--> ( 1 ) ص : أيام . ( 2 ) ص : تدفعيه . ( 3 ) ديوانه : 29 .